المقريزي

61

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ربّ يسر وأعن يا للّه « 1 » الحمد للّه الذي خلق الخلائق وعدّهم عددا ، وضرب لسائرهم آجالا مقدّرة ومددا ، وجعل لهم السّمع والأبصار والأفئدة لعلّهم يشكرون ، واستخلفهم في أرضه لينظر كيف يعملون . أقامهم جيلا بعد جيل ، واستعمرهم قبيلا في إثر قبيل ، ليبقي الأوّل للثاني من « 2 » قصصه مواعظ وعبرا ، ويحيى الآخر للمتقدّم ذكرا وينشر خبرا ، كي يرعوي الفطن عن فعل ما يذمّ ويستقبح ، ويقتدي الأريب بما هو الأحسن من الأخلاق والأصلح ، حتّى إذا انقضت آماد الحياة الدّنيا وزالت ، واقتربت من الخلائق الساعة وحانت ، حشرهم جميعا إليه ، وأقامهم كافة بين يديه ، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى . أحمده حمدا لا يبلغ العادّ وإن استقصى أقصاه ، ولا يدرك الحاسب وإن دقّق منتهاه . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ولا مثيل ، ولا معاند له ، تعالى عن المعاند والعديل . وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله ، ونبيّه المصطفى وخليله صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحابته ، وأزواجه وسائر أهل طاعته ، وسلّم وشرّف وكرّم . وبعد : فإني ما ناهزت من سنيّ العمر الخمسين حتى فقدت معظم الأصحاب والأقربين ، فاشتدّ حزني لفقدهم ، وتنغص عيشي من بعدهم ، فعزّيت النّفس عن لقائهم بتذكارهم ، وعوّضتها عن مشاهدتهم باستماع أخبارهم ، وأمليت ما حضرني من أنبائهم في هذا الكتاب ومن ذكرهم فطاب « 3 » ، وسمّيته « درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة » . وهو في الحقيقة ذكري معاهد الأحباب وتذكر عهد الشيخة والأصحاب .

--> ( 1 ) في أ : « رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » . ( 2 ) ليست في أ . ( 3 ) قوله : « ومن ذكرهم فطاب » استدركها المصنف في حاشية نسخته .